حكم دفن المسلمين في المقابر العمومية في البلاد الأوروبية

 
Share |

حكم دفن المسلمين في المقابر العمومية في البلاد الأوروبية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على نبينا المصطفى آله وصحبه ومن به اقتفى.

حكم دفن المسلمين في المقابر العمومية في البلاد الأوروبية

المعروف عند المسلمين جميعا في مشارق الأرض ومغاربها من عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى يومنا هذا، أن كل أهل دين لهم مقابرهم الخاصة بهم، ولهم طريقتهم في الدفن، كما أن المسلمين لهم مقابرهم الخاصة بهم، ولهم طريقتهم في الدفن. وكما هو الحال بالنسبة لأماكن العبادة، فلكل أهل دين معبد خاص بهم، فهناك المساجد والكنائس والبِيَع وأماكن أخرى.

وبناء عليه، فإنه من حق المسلمين أن تكون لهم مقابر خاصة بهم في أي مكان وجدوا فيه؛ لكن.. بالنسبة لمسلمي أوروبا، إذا لم يستطيعوا أن يحصّلوا على مقبرة مستقلة خاصة بهم، وأعطِي لهم مكان خاص بهم ضمن مقبرة عمومية، فإنه يجوز لهم أن يدفنوا فيه موتاهم من باب ما لا يدرك كله لا يترك كله. ومن باب الضرورة، والضرورة لها أحكام، ومن القواعد الفقهية المشهورة، "الضرورات تبيح المحظورات"، وقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم: ) فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( [سُورَةُ البَقَرَةِ: 173]، ومن باب القياس إذا كان الناس يتجاورون في الحياة الدنيا اختيارا، فلا مانع أن يتجاوروا في المقابر اضطرارا، ولاسيما إذا مُنِح للمسلمين مكان خاص بهم في طرف من أطراف مقابر غير المسلمين؛ مع الإشارة إلى أن المسلم له داران دار فوق الأرض ودار تحت الأرض بدليل ما ورد في آداب زيارة القبور حيث يقول الزائر (السلام عليكم دار قوم مؤمنين...) رواه مسلم. علما بأن الأرض لا تزكِّي أحدا، وإنما الذي يزكي المسلم عند ربه هو عمله الصالح.

وأشير هنا إلى أن هذا الحكم يناسب المسلمين الذين ليست لديهم إمكانيةٌ لِدَفْن موتاهم في مقابر إسلامية، ولو بنقلهم إلى بلد إسلامي بطريقة أو بأخرى. أما الذين يستطيعون نقل جُثَثِ ذَوِيهم إلى أوطانهم الأصلية، أو وجد من يتكفل بذلك، فالأمر واضح. وما ذلك إلا لأن قوانين الدفن والمقابر في البلدان الإسلامية تخضع للشريعة الإسلامية بخلاف قوانين البلاد الأوروبية.

وعلى المسلمين في البلاد غير الإسلامية أن يسعوا - بالتضامن فيما بينهم - إلى إيجاد مقابر خاصة بهم ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، فإذا لم يستطيعوا الحصول على مقبرة خاصة مستقلة، فلا أقل من أن يكون لهم مكان محدد خاص بهم في طرف من أطراف مقبرة غير المسلمين، يدفنون فيه موتاهم، وهذا أهون من توسط قبرالمسلم في مقابر غير المسلمين، وكما ذكرنا سابقا: "ما لا يدرك كله لا يترك كله".

وعند تعذر إيجاد مقبرة خاصة للمسلمين ولم يتيسر لهم كذلك الحصول على مكان خاص بهم في طرف مقبرة من مقابر غير المسلمين، فالأمر لا يخلو: إما أن يمكن نقل جثة المسلم إلى بلد إسلامي أو لا يمكن أصلا، فإن أمكن نقلها الى مقبرة من مقابر المسلمين أو إلى مكان مستقل، وجب ذلك؛ وإن لم يمكن نقلها وتعذر ذلك، فيقال إن الأصل في دفن المسلم في مقابر غير المسلمين هو المنع ما لم يحصل العجز عن دفنه في مقبرة المسلمين، أو في مكان مستقل، أو في جزء خاص من مقابر غير المسلمين. فإذا حصل العجز وتعذرت الأحوال، ففي هذه الحالة يجوز دفن المسلم في مقابر غير المسلمين للضرورة، ومن باب تعارض المفسدتين: مفسدة دفنه في مقابر غير المسلمين ومفسدة عدم دفنه، لما يخشى عليه من التغير والضياع. وعند النظر إلى المفسدتين تقدم مفسدة دفنه في مقابر غير المسلمين على مفسدة عدم دفنه وتعرضه للتغير والضياع، فيؤدي ذلك إلى إهدار كرامة الإنسان وعدم ستره، وقد قال ربنا سبحانه وتعالى: ]لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا[ [البَقَرَة: 286]، وكما أشرنا سابقا إلى أن الذي ينفع المسلم في آخرته هو سعيه وعمله الصالح وليس موضعَ دفنه، كما قال تعالى: ]وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى[ [النَّجْم: 39]. وقد روى الإمام مالك رحمه الله في موطئه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال: (إن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس الإنسان عمله). هذا ملخص ما قاله الفقهاء قديما وحديثا والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

وفيما يخص دفن الطفل المسلم في مقابر غير المسلمين، فإن الحكم هنا لا يختلف، ولا أعلم أن فيه دليلا يفرق بين الصغير والكبير، والمكلف وغير المكلف، حتى السِّقْطُ الذي ينزل من بطن أمه قبل اكتمال خلقته، له نفس الحكم الذي ذكرناه سابقا بالتفصيل؛ بل نص بعض الفقهاء على أن المرأة غير المسلمة إذا كانت متزوجة بمسلم وماتت وهي حامل منه، فإنها تدفن في مقبرة المسلمين نظراً للجنين المسلم في بطنها، والقول الثاني أنها تدفن في مقبرة غير المسلمين نظراً لها، والقول الثالث أنها تدفن في مكان مستقل عن مقابر المسلمين، ومقابر غير المسلمين. وكلها أقوال أفتى بها الفقهاء.

وبالنسبة لمقبرة المسلمين إذا ضاقت بأهلها ولم يعد فيها مكان فارغ لدفن أموات المسلمين ولم يوجد مكان آخر للدفن، فإنه يجوز نبش القبور القديمة التي يظن ظنا قويا أن أصحابها قد أفنتهم الأرض وتحولوا إلى تراب أو عظام بالية مفتَّـتة. وليس هناك مدة محددة يرجع إليها ويعتمد عليها، وأن الأمر يختلف باختلاف البلدان وباختلاف الجو والطقس فبعض البلدان يكون فيها الجو حاراً صيفا وشتاء، والبعض الآخر يكون فيها الجو باردا جدّاً وهناك البلدان المعتدلة صيفا وشتاء فبلاد الحجاز مثلا تختلف عن بلاد المغرب، وبعض البلدان الأوروبية التي يتساقط فيها الثلج كثيرا وينزل فيها المطر غزيرا تختلف أيضا عن بلاد المغرب؛ لذا فالمدار على غلبة الظن، بأن أصحاب القبور القديمة قد أفنتهم الأرض وتحولت أجسادهم إلى تراب أوعظام بالية مفتـتة. وعندما ينبش القبر، ينبش برفق ولين فإن كسر عظم الميت ككسر عظم الحي لما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مالك في الموطأ وأبو داود وابن ماجه في سننهما وابن حبان في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كسر عظم الميت ككسره حيا) وفي رواية (كسر عظم الميت مثل كسر عظم الحي) وحينما ينبش القبر تجمع تلك العظام المفتـَّــتة وتدفن في ناحية من نفس القبر، وهكذا يَـحفظ دين الإسلام كرامة الإنسان حيا وميتا والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

وحرر يوم الثلاثاء فاتح ذي الحجة الحرام 1436 هـ  الموافق لــ:15 شتنبر2015م  

 

   وكتبه عبد ربه: الطاهر التـجـكاني