"تبرع المسلمين بأعضاء بشرية على غير المسلمين" للدكتور مصطفى بنحمزة

 
Share |

تبرع المسلمين بأعضاء بشرية على غير المسلمين


يثور في مصر حاليا جدل حاد حول قضية تبادل الأعضاء البشرية لأغراض علاجية بين أتباع الديانات المختلفة. وبصرف النظر عن صحة إثارة الدعوة إلى قصر التبادل بين أتباع كل ديانة على حدة، فإن الموضوع يستدعي المساهمة في المناقشة من أجل المساعدة على الخروج من وضع الاشتباه الذي قد تكون له انعكاسات سلبية على حال التعايش والتساكن بين أتباع كل الديانات، وهو بالذات ما يسعى إليه كل العاملين على إبراز الإسلام بمظهر الدين غير القابل للتعايش والتعاون مع الآخرين. وهو ما يؤدي حتما إلى التضييق اجتماعيا على المسلمين المقيمين ببلاد غير إسلامية، وإلى تحجيم الحضور الإسلامي المستقبلي في تلك البلاد.

ولقد سبق لي أن دعيت إلى إبداء موقف في الموضوع باقتراح من مؤسسة الحسن الثاني
 للجالية المغربية المقيمية بالخارج وبشراكة مع منظمة Cmo
 التي أوكلت إليها وزارة الصحة الهولندية استطلاع آراء العلماء المسلمين في الموضوع لتصوغ بناء عليه  قرارا تقدمه للبرلمان الهولندي. وقد تم اللقاء في مدينة أوتريخت بهولاندا بتاريخ 28/01/2006 وترأس جلسة الافتتاح وزير الصحة الهولندي السيد هوكرفوخت وحضره عدد من المستشرقين والباحثين وأفراد من مسؤولي جمعيات الجالية المسلمة بهولاندا.
وقد قدمت في اللقاء عرضا تناول الموقف الشرعي من زرع الأعضاء البشرية عموما ومن تبادل الأعضاء بين المسلمين وغيرهم خصوصا.
ويقتصر الجزء المقدم في هذا العرض على الحديث عن تبرع المسلمين بأعضائهم على غيرهم في مقابل استفادتهم من أعضاء أشخاص آخرين غير مسلمين.
وأحب أن أشير إلى أن موضوعا بهذه الأهمية لا يمكن الاكتفاء فيه بموقف علمي فردي، وإنما يحتاج إلى أن يتناوله علماء متعددون ليصير موضوع فتاوى جماعية، ولهذا الغرض فقد أحلته على المجلس العلمي الأعلى للنظر فيه.
 

تبرع المسلمين بأعضائهم لغير المسلمين

يطرح هذا السؤال بإلحاح في البلاد التي يتعايش فيها المسلمون مع غيرهم في بلاد الغرب. خصوصا وأن بعض المسلمين أصبحوا يقبلون على تلقي أعضاء تبرع بها غير المسلمين، لكنهم يرفضون في المقابل أن يتبرعوا بأعضائهم لغير المسلمين، مما يجعل موقفهم موقفا غير عادل ولا منسجم مع منطق تقابل الأخذ بالعطاء، وهو موقف يضر بصورة المسلمين إذ يقدمهم على أنهم يتناقضون في مواقفهم ويعبثون بدينهم حين يبيحون الأخذ من الآخرين ويحرمون التبرع عليهم. في مقابل صورة الآخرين الذين يتبرعون لفائدة من يخالفونهم في الدين وفي الانتماء.
ويكفي مثل هذا السلوك لاستغلاله في إبراز عدم قابلية المسلمين للانسجام مع أفراد البلاد المضيفة التي أصبحت بالنسبة للأجيال التالية بلد مولد واستقرار.
إن معالجة هذه القضية تبدأ من الإشارة إلى ضعف هذا الموقف من الناحية الأخلاقية على الأقل، إذ لا يقبل أي مجتمع بفئة تأخذ ولا تعطي، كما أن من الضروري تناوله من الوجهة الشرعية التي يتعين أن تكون مؤطرة للموقف الذي يتخذه المسلمون وهم مطمئنون إلى أنه يمثل موقف الشرع من الموضوع.
لقد توقف بعض المفسرين عند قول الله تعالى: ] وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاًَ[ [المائدة : 32]، فأشار إلى أن فيه تنويها من القرآن الكريم بإحياء جميع النفوس، وليست جميع النفوس نفوسا مؤمنة فقط، إذ فيها نفوس مؤمنة وأخرى غير مؤمنة، وقد نبه المفسرون إلى أن إحياء النفوس إذا كان بمعنى إعادتها إلى الحياة فإنه ليس في مقدور الإنسان. فيكون معنى الإحياء: هو تمكينها من الاستمرار في الحياة وإنقاذها من الهلاك، يقول ابن جرير الطبري:] وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [، من غرق أو حرق أو هدم.1
ويقول ابن أبي زمنين في تفسيره: قال الحسن: "من إحيائها أن ينجيها من القود [القصاص] فيعفو عنها أو يفاديها من العدوان، وينجيها من الغرق ومن الحرق ومن البيع. 2
وعلى هذا يكون معنى الإحياء شاملا لكل حالات الإنقاذ من الموت، ولتحريرها من الرق، ولإنقاذها من العدوان الواقع عليها.
يقول رشيد رضا في تفسير المنار: ] وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً[ ومن كان سببا لحياة نفس واحدة بإنقاذها من موت كانت مشرفة عليه، فكأنما أحيا الناس جميعا، لأن الباعث على الإنقاذ هو الرحمة والشفقة، ومعرفة قيمة الحياة الإنسانية، واحترامها والوقوف عند حدود الشريعة في حقوقها فتندغم فيه جميع حقوق الناس عليه، فهو دليل على أنه لو استطاع أن ينقذهم كلهم من هلكة يراهم مشرفين على الوقوع فيها  لا يني في ذلك ولا يدخر وسعا، ومن كان كذلك لا يقصر في حقوق البشر عليه 3 ... فالآية تعلمنا وحدة البشر وحرص كل منهم على حياة الجميع.
إن مثل النصوص التي سقتها تؤكد أن استبقاء كل النفوس والحفاظ عليها هو الأصل في تعامل المسلمين مع غيرهم وهو أمر يتأكد في حالات عقد مواثيق الدفاع المشترك.
لقد أشار القرآن الكريم إلى دعوة إبراهيم الذي سأل ربه أن يختص بالرزق من آمن من أهل  مكة، فأجابه الله بأنه يرزق المؤمن وغير المؤمن، ويبقى جزاء غير المؤمن لموعد آخر، فقال القرآن حكاية عن دعوة إبراهيم: ]وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ[ [البقرة : 126].
إن الإسلام يقرر جواز عقد اتفاقيات للدفاع المشترك بين المسلمين وغيرهم، وقد كانت وثيقة المدينة المنورة مثالا تطبيقيا، وفيها تعهد الرسول صلى الله عليه وسلم بالدفاع عن معاهديه من يهود المدينة، وتعهدوا هم أيضا بمناصرة المسلمين إذا هوجموا، وقد تكررت مثل هذه المعاهدات التي كانت تلزم المسلمين بالدفاع عن غيرهم من غير المسلمين، ومقتضاها الواضح أن يكون المسلمون مستعدين لبذل أرواحهم وهم يدافعون عن حلفائهم من غير المسلمين وفاء بمقتضى العهد.
 وقد تحقق الوفاء بهذا العهد مرات عديدة في حياة المسلمين الذين وقفوا في جبهة واحدة مع غير المسلمين ضد العدو المشترك، في الأندلس وفي بقاع كثيرة وقد حمى ذلك الموقف نفوس الكثير من أتباع الديانات المخالفة. وفي كل البلاد التي حكمها المسلمون كان غير المسلمين من السكان يتمتعون بكل حقوقهم ولم يواجهوا الاضطهاد إلا في الحالات التي كان المسلمون يعجزون فيها عن الدفاع عن بلادهم فكان غير المسلمين يتعرضون تبعا لذلك للإبادة أو للتهجير، وهو ما وقع ليهود الأندلس بعد أن عجز المسلمون عن حمايتهم وعن الدفاع عنهم بأرواحهم.
وقد استمر هذا الأسلوب من افتداء الآخرين غير المسلمين في العصر الراهن حينما وقف السلمون في الصفوف الأمامية ضد زحف النازية قبل استفحال خطرها، فدافعوا عن الأوربيين وتناثرت أشلاء المسلمين وقبورهم على الأرض الأوربية.
 إن عدم القبول بالتبرع بالأعضاء مع القبول بالاستفادة من أعضاء الآخرين عند الحاجة يبدو موقفا غير عادل ولا منسجم، لأن الذي يعتقد حرمة استفادة غير المسلم من عضو إنسان مسلم، لا بد أن يعتقد مثل ذلك الرأي في استفادة المسلم من عضو إنسان آخر غير مسلم. وحين يختار المسلمون مثل هذا التعامل فلا شك أنهم يكونون هم المتضرر الأكبر في نهاية المطاف، لأن الشعوب الأخرى تتخذ منهم حينذاك موقف الرفض والمنع ، والمسلمون في كثير من البلاد لا يشكلون إلا جالية محدودة العدد لا يمكنها أن تستغني عن مساعدة غيرها لها، خصوصا في الاستفادة من الأعضاء البشرية. إن شأن هذا الموقف أن يعزل المسلمين الذين يعيشون في البلاد الإسلامية عن محيطهم ويحرمهم من كل الإمكانيات التي يوفرها التقدم الطبي هناك.
ومما لاشك فيه أن موقف المنع سيشمل كذلك كل الوافدين إلى البلاد غير الإسلامية من مرضى البلاد الإسلامية الذين يقبلون على عمليات زرع الأعضاء.
ويكتسي الأمر خطورة وفداحة أكثر في حالات احتياج المسلمين إلى عمليات جراحية أو بعد تعرضهم لحوادث السير في غير بلاد المسلمين مما جعلهم في حاجة إلى أن يحقنوا بكميات من الدم، وتلك الدماء ليست إلا أجزاء بشرية، ولكنها أجزاء سائلة. وحين تؤسس في بلاد المسلمين بنوك للدم فهل يجب أن توضع عليها إشارة إلى دين المتبرع بالدم كما يشار إلى فصيلة الدم ونوعيته، إن هذا كله لا يستند إلا إلى عجز عن فهم حقيقة موقف الإسلام من الموضوع.
والخلاصة أن ثقافة الإسلام تذهب بعيدا في البذل للغير، وهذا كله يؤصل جواز التبرع بالأعضاء لفائدة الأغيار، خصوصا حينما يكون ذلك على أساس المكافأة والمعاملة بالمثل.
 

استشكال فقهي

حين نبحث كل الأفكار التي قد تكون سببا للقول بمنع تبادل التبرع بالأعضاء بين المسلمين وغيرهم، فقد نجد أن بعض المسلمين يتحرجون من العملية سواء كانت أخذا من الغير أو منحا له، لاعتقادهم أن للمخالفة في الدين أثرا على الحكم على أعضاء غير المسلمين.
والواقع أن نظرة الإسلام إلى طبيعة الجسم البشري هي نظرة موحدة لا تتأثر بحال من الأحوال بالوضع الديني الذي يكون عليه غير المسلم، فالجسم البشري له حكم واحد في الطهارة، ولا يستثنى من ذلك إلا  الإفرازات التي اعتبرها الشرع نجسة، سواء انبعثت من مسلم أو من غيره.
يقول الإمام النووي في شرح مسلم: "فإذا ثبتت طهارة آدمي مسلما كان أو كافرا، فعرقه ولعابه ودمعه طاهرات، سواء كان محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء، هذا كله بإجماع المسلمين4.
ومما احتج به الفقهاء على طهارة أبدان غير المسلمين أن الله أباح الزواج بالكتابيات، ومعلوم أن عرقهن وريقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك فلم يجب من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب من غسل المسلمة، فدل هذا على أن الآدمي الحي ليس بنجس العين، فلا فرق بين النساء والرجال.5
إن المستخلص من هذه النصوص أن الأجساد في الشريعة تتماثل في الحكم، وإن كانت العقائد تختلف وتتباين.
لهذا كله، واعتبارا لما أسسه الإسلام من إسعاف غير المسلم، ومن سعي إلى حفظ حياته ما دام غير داخل في حالة حرب. وملتزما بحدود التعامل السلمي الذي يظل هو الأصل في التعامل الإنساني.
لهذا كله، فإن دخول المسلمين مع غيرهم في تبادل التبرع بالأعضاء البشرية أمر جائز يقتضيه منطق العدل الذي يلزم الآخذ بأن يكون معطيا، ويلزم المستفيد بأن يكون مفيدا،
كما يجوز هذا التبادل بناء على أصل آخر هو أصل مراعاة المآلات وعواقب الأمور، لأن اقتصار المسلمين على الأخذ من الغير دون العطاء، يجعلهم هم الخاسر الأكبر حينما يمتنع الآخرون عن منحهم أعضاء ليعوضوا بها أعضاءهم التالفة، علما بأن غير المسلمين في البلاد غير الإسلامية خصوصا هم أقدر على الاستغناء بأنفسهم، بينما يظل المسلمون في حاجة إلى غيرهم في كل المجتمعات التي لا يشكلون فيها إلا جالية محدودة العدد.

1  - جامع البيان في تفسير القرآن، لابن جرير الطبري. ج 4 دار المعرفة بيروت 1986.
2  - تفسير ابن أبي زمنين 2/24 الفاروق الحديقة القاهرة 2002.
3  - تفسير المنار رشيد رضا 6/349.
4  - شرح النووي لصحيح مسلم 4/ 66. دار الفكر بيوت 1972.
5  - فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر 1/ 1390.