محمد بن سحنون

 
Share |


أ‌. د. محمد أبو الأجفان

آل سحنون أسرة قيروانية من أصل شامي ذات مجد علمي، أنجبت أعلاما من الفقهاء في القرنين الثاني والثالث الهجريين، ونريد اليوم أن نتوقف عند واسطة عقد هذه الأسرة: الإمام محمد ابن –مؤسس مجدها- سراج القيروان عبد السلام بن سعيد الشهير بسحنون، لنعرف بسيرته وأعماله الجليلة في خدمة العلم، ودعم هذا المجد السحنوني الذي دام نحو مائة سنة وثلاثة عقود من السنين.


ولادته ونشأته وشيوخه في القيروان

ولد أبو عبد الله محمد بن سحنون بن سعيد التنوخي سنة 202هـ 817م، في القيروان عاصمة الدولة الأغلبية في عهد ثالث أمرائها زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب (201-223هـ)، وعاصر ستة من أمراء هذه الدولة التي استقلت عن الخلافة العباسية ووطدت الأمن في إفريقية، وأسهمت في نشر الإسلام ودعم العربية، وشجعت العلماء وناصرتهم.

نشأ محمد بن سحنون في القيروان مستفيدا من المناخ العلمي الذي كانت تحتضنه، فقد كانت سوق العلم نافقة بها، وكان الكثير من طلبتها يرحلون إلى المشرق ويعودون بعلم جم، ويروون الأحاديث وينشرونها، وكانت تستقبل الوافدين من أعلام المشرق، ومنهم المتضلعون في فنون علمية مختلفة، وفي جامع عقبة بن نافع وفي غيرها من مساجدها تنتظم حلقات الدروس، وتنعقد المناظرات العلمية التي تتناول مسائل العقيدة وفروع الفقه في مستوى الخلاف العالي.

وقد شاءت العناية الإلهية أن يتوالى تربية محمد والده الإمام سحنون الذي كان في الثانية والأربعين عندما ولد محمد، فكان الوالد شديد التعلق بقرة عينه محمد، يخاف ألا يطول به العمر، فلا يراه في مراتب العلم السامية، وكان يقول: «ما غبنت في ابني محمد إلا أني أخاف أن يكون قصير العمر»، وقد أنعم الله على الإمام فعاش حتى رأى ابنه يكاد يختم العقد الرابع من عمره، ويتبوأ مكانة فائقة بين علماء عصره.

وكان سحنون يجتهد في تربية ابنه محمد على الأخلاق الحميدة، ومن ذلك أنه كان يقول له: «يا بني: سلم على الناس، فإن ذلك يزرع المودة، وسلم على عدوك وداره، فإن رأس الإيمان بالله المداراة بالناس».

وكان يتفرس فيه أن يكون له شأن في مجال العلم، وأن يبلغ فيه درجة الإمامة، كما كان يلحظ ما امتاز به منذ طفولته من ذكاء ونباهة وإحساس مرهف، فكان يوجه مؤدبة إلى الطريقة المناسبة في معاملته قائلا: «لا تؤدبه إلا بالمدح ولطيف الكلام، ليس هو ممن يؤدب بالضرب والتعنيف واتركه في نحلتي، فإني أرجو أن يكون نسيجا وحده وفريد زمانه».

وكان سحنون يشبه ابنه بعلم شهير من أعلام المالكية، وهو أشهب بن عبد العزيز المصري، صاحب مالك، فيقول: «ما أشبهه إلا بأشهب»، وكان سحنون يقول عن الفقيه أشهب: «رحم الله أشهب ما كان أصدقه وأخوفه لله تعالى، ما كان يزيد حرفا واحدا .. ما كان أحد يناظر أشهب إلا اضطره بالحجة حتى يرجع إلى قوله ..».

والشيوخ الذين أخذ عنهم محمد بن سحنون في القيروان كثيرون، وفي مقدمتهم والده الإمام، فقد كان يلازم دروسه في البيت والجامع الأعظم، يسمع منه ويستفيد من علمه الغزير، «وعليه معتمده» كما قال المؤرخ أبو بكر المالكي.

ثم إن المعروفين من مشيخة محمد بن سحنون بالقيروان هم:

1-            أبو جعفر موسى بن معاوية الصمادحي (225هـ)

2-            عبد الله بن أبس حسان اليحصبي (227هـ) على الراجح وكان سحنون نفسه يستفيد من هذا الشيخ، فيقول: «كنت أول طلبي إذا انغلقت علي مسألة في الفقه آتي ابن أبي حسان، فكأنما في يديه مفتاح لما انغلق».

3-            عبد المؤمن بن مستنير الجزري.

4-            أبو محمد عبد العزيز بن يحيى المدني الهاشمي، وهو وافد على القيروان سنة (225هـ)

5-            بقي بن مخلد القرطبي المحدث الأندلسي الشهير (276هـ)، دخل القيروان للأخذ عن إمامها سحنون، وعن ابنه محمد أيضا، فسمع منه محمد، يروي عنه أنه قال: «قدمت على سحنون، فكان ابنه محمد يسمع مني في داخل بيت سحنون بمحضر سحنون»



رحلته المشرقية

رحل محمد بن سحنون إلى المشرق سنة (235هـ)، وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، لأداء فريضة الحج ولأخذ العلم عن أعلام المراكز الشرقية، وهو يقتفي أثر أبيه الذي رحل، ثم عاد بعلم جم وبالمدونة الكبرى التي أخذها عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم في مصر وبها انتشر المذهب المالكي في المغرب والأندلس وكانت عمدة المالكية في دراسة مذهبهم.

قال الإمام سحنون وهو يودع ابنه: «إنك ستقدم على بلدان –سماها- إلى أن تقدم مكه، فأجهد جهدك، فإن وجدت عند أحد من أهل هذه البلدان مسألة خرجت من دماغ مالك بن أنس، وليس عند شيخك –يعني نفسه- أصلها، فاعلم أن شيخك كان مفسرها»

وكان ابن سحنون حريصا على تنفيذ وصاية أبيه كثير الاتصال بالشيوخ الذين كانوا يكتشفون فيه بوادر النبوغ وسعة الاطلاع، يقول عنه المالكي المؤرخ: «لما وصل إلى مصر نزل على أبي رجاء بن أشهب .. فكان علماء مصر يأتونه ويسلمون عليه، فأتاه المزني صاحب الشافعي، فيمن أتاه، وجلس معه كثيرا ليقل الناس ويخلو معه، فلما خرج قدمت إليه دابته ليركب، فقيل له: كيف رأيته؟ قال: لم أر والله أعلم منه، ولا أحد ذهنا على حداثة سنه».

وقد اختلف المزني مع هارون بن سعيد الأيلي، فتحاكما إلى محمد بن سحنون، لما عرفا له من المكانة العلمية الفائقة.

وكما لمع نجمه في مصر لمع في المدينة المنورة عندما شارك في حوار علمي بمجلس في الحرم المدني. وكان له اتصال بكثير من الأعلام المشارقة، استفاد منهم، ولكن مصادر ترجمته كانت ضنينة بالمعلومات الوافية عن هذه الرحلة، فلم تذكر من شيوخه فيها إلا ثلاثة، وهم:

1.   يعقوب بن حميد بن كاسب المدني نزيل مكة (240هـ)

2.   أبو مصعب أحمد بن القاسم الزهري القرشي قاضي المدينة (242هـ)

3.   أبو عبد الرحمن سلمة بن شبيب النيسابوري الحجري نزيل مكة (247هـ)

وأفادنا أبو بكر بن اللباد أن أهل الموقف في الموسم الذي حج فيه ابن سحنون غلطوا في يوم عرفة، فأفتاهم ابن سحنون بأن ذلك يجزئ من حجهم.

لقد رجع محمد بن سحنون من رحلته مليء الوطاب علما، فقد زكت بها ملكته العلمية، وسمع الحديث، وحاور العلماء وناظرهم، فكانت رحلة مثمرة كونت رافدا مهما من روافد تكوين شخصيته.


انتصابه للتدريس وتلاميذه

بعد اكتمال الملكة العلمية لمحمد بن سحنون، وظهور بوادر نبوغه، انتصب في التدريس في القيروان أثناء حياة والده، قال المالكي: «كانت له حلقة غير حلقة أبيه». وأفادنا بقي بن مخلد الأندلسي أنه «سمع من محمد بن سحنون في داخل بيت سحنون بالقيروان»، وكان لابن سحنون مسجد بالقيروان منسوب إليه يعقد فيه حلقات الدرس، وتواصلت عنايته بالتدريس بعد وفاة والده الإمام، فقد قال ابن حارث: «جلس مجلس أبيه بعد موته».


مناظرات محمد بن سحنون

تجلى نبوغ الإمام محمد بن سحنون وبراعته في مجال المناظرة التي هي ضرب من الحوار العلمي يناقش فيه الرأي المخالف، ويدعم الرأي المنصور بالحجة والدليل لإقناع المعارض به، وشملت مناظراته إثبات صحة العقيدة الإسلامية، وإثبات صحة الاتجاه السني الذي أخلص له ابن سحنون، ودعم ما رجحه من الأحكام والفروع الفقهية التي كان له فيها اجتهاد.

ومن مناظراته الشهيرة، تلك التي خاضها بمصر مع يهودي ينافح عن عقيدته، وانتهت باقتناع اليهودي بالعقيدة الإسلامية وإسلامه، وقد طالت هذه المناظرة وأظهرت براعة ابن سحنون ومقدرته على إثبات ما يؤمن بصحته.

ولاشتهاره بهذه المقدرة، أصبح بعض الأمراء يدعونه للمناظرة في مجالسهم التي يبدو فيها تفوقه وغزارة علمه وقوة حجيته.

وللمناظرة والجدل أدب معلوم، وسلوك مضبوط ألفت فيها مصنفات حددت قوانينها وأوضحت منهج المناصرة السليم، لتؤدي غرضها المقصود، وتنتفي عنها أوشاب التعصب المقيت والشحناء البغيضة والأساليب الشائنة والهوى الذي يعمي ويصم.

وكان لابن سحنون إسهام في التأليف في هذا المجال النظري، فقد ألف كتابا في جزءين وسماه «آداب المتناظرين» وهكذا خاض في المناظرة مجالي التطبيق والتنظير والتقنين، وشهد مترجموه له بالبراعة في المناظرة فمن ذلك قول يحيى بن عمر: «كان ابن سحنون من أكثر الناس حجة وألقنهم بها، وكان يناظر أباه».

ومن ذلك قول ابن حارث الخشني: «كان عالما فقيها مبرزا متصرفا في الفقه والنظر ومعرفة احتلاف الناس والرد على أهل الأهواء والذب عن مذهب مالك». ومن ذلك أيضا قول ابن القيم: «كان الغالب عليه الفقه والمناظرة وكان يحسن الحجة والذب عن السنة والمذهب».

 


مؤلفاته

إن محمد بن سحنون من العلماء المكثرين في التأليف في مختلف فنون العلم، ولكن أغلب مؤلفاته لم تصلنا، كان يصرف أوقاته في خدمة العلم تدريسا وتدوينا، وأحيانا يصل الليل بالنهار مستمرا في التأليف عندما يشده الموضوع ويملك لبه. روى المالكي أنه كانت له سرية يقال لها أم مدام فكان عندها يوما من بعض الأيام، فقال لها: ما عندك الليلة يا أم مدام؟ فقالت: «زوج فراخ» فقال: اصنعيهما لنا الليلة، ففعلت ذلك، وقد أخذ فيما هو فيه من التأليف في كتاب يرد فيه على بعض المخالفين، فاشتغل في ذلك إلى الليل، فلما حضر الطعام استأذنته، فقال لها: أنا مشغول الساعة، فلما طال ذلك عليها، أقبلت تلقمه الطعام، إلى أن أتى على الفرخين، ثم تمادى فيما هو فيه، إلى أن أذن في الجامع لصلاة الصبح، فقال لها يا أم مدام شغلنا عنك الليلة، قربي ما عندك من الطعام، فقالت: قُدّ، والله يا سيدي أطعمته لك، فقال: ما شعرت بذلك، لشغله وتعلق قلبه بما كان فيه من التأليف.
وأكبر كتبه وأكثرها بسطا هو كتابه الكبير المسمى بالجامع وهو متضمن أجزاء عدة ذكر القاضي عياض أنها مائة جزء، وذكر غيره أنها مائة وعشرون جزءا.
ولقد لقيت مؤلفاته القبول والاستحسان والرواج خارج حدود أفريقيا، فوصلت إلى مصر والعراق شرقا، ووصلت إلى الأندلس غربا، ونوه ببعضها ابن حزم. كما نوه بالبعض الآخر القاضي إسماعيل البغدادي، وقال محمد بن عبد الحكم المصري لما قرأ واحدا منها: «هذا كتاب رجل يسبح في العلم سبحا». وجعلها عبد الله بن أبي زيد القيرواني من مصادر كتابه الشهير «النوادر والزيادات» فصار هذا الكتاب متضمنا لنصوص ما فقد من مؤلفات ابن سحنون، وفي مصر كتب مصنفه في الإمامة بماء الذهب وأهدى للخليفة، وفي العراق كتبت مؤلفات أخرى بماء الذهب.


كتابه «آداب المعلمين»

هذا أحد كتابين من مؤلفات ابن سحنون وصلنا، ثانيهما «الأجوبة» وهو مجموعة فتاوى أجاب بها عن أسئلة تلميذه محمد بن سالم وقد حققه الأستاذ حامد العلويني.
وكتاب آداب المعلمين نشر أكثر من مرة في تونس والجزائر ومصر، وانصب عليه اهتمام الباحثين دراسة وتحقيقا، ومسائله تتعلق بأحكام المعلمين والمتعلمين والعلاقة بينهما، وبين والوالي والمعلم، والإجارة على التعليم، وتوجيه الأطفال على منهج الشرع.
إنه كتاب تربوي كان به صاحبه من رواد البحث في مسائل التربية والتعليم، وهو مصطبغ بالصبغة الفقهية، مشتمل على فتاوى لنوازل حدثت، وعلى إشارات لعادات جرت في عصر مؤلفه، مثل عادة رمي الفاكهة على الناس عندما يختم الطفل حفظ القرآن، وقد عارضها ابن سحنون وأفتى بمنعها. وقد أسهم هذا الكتاب في تجلية النظرة التربوية في الإسلام، وكان له أثر في توجيه المعلمين وإرشاد المربين وأولياء الناشئة.

خاتمة

تفخر المدرسة المالكية في القيروان بأنها أنجبت علما جليلا من أسرة نابهة، وهو محمد بن سحنون الذي بلغ رتبة الاجتهاد الفقهي وتفاني في خدمة العلم ونشره بهمة وعزيمة وتواضع وورع، وأقبل على التقرب إلى ربه بالعبادة والنوافل والمرابطة بقصر المنستير منافحا عن الأرض الإسلامية وحوزة الدين بشجاعة وبسالة، وامتاز بصفات نبيلة أخرى، كانت من عوامل رفعة مكانته في المجتمع القيرواني مثل الثقة والأمانة والشفقة على المساكين والإحسان إلى الناس والسماحة في معاملتهم.
وفي عصر محمد بن سحنون في القيروان تتوافر ثلة من أقرانه من العلماء كانوا نجوما في سماء حضارتنا الإسلامية الزاهرة، ولكن ابن سحنون كان واسطة عقدهم.

 


مجلة الوعي الإسلامي الكويتية، عدد 396، 1998م